الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
45
شرح ديوان ابن الفارض
في كلامه غير مرة ، ولعمري إن هذا هو البيان الذي هو إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة . وفي الجامح والجانح الجناس اللاحق ، والطّباق في عنكم وعليكم . ( ن ) : الصبر عنهم تركهم ، والصبر عليهم تحمّل مشقّاتهم ، فهو لا يصبر عن بدّه اللازم له ولا يتلبّث عن الصبر على مشقّاتكم وتكاليفكم وإن أتعبته كما قال تعالى : فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ [ مريم : الآية 65 ] لأن في عبادته كمال المشقّة لأنها على خلاف عادات النفوس . اه . نشر الكاشح ما كان له طاوي الكشح قبيل النّأي طيّ [ المعنى ] « الكاشح » : هو مضمر العداوة . وطوى كشحه على الأمر : أضمره وستره . و « قبيل » : تصغير قبل ، وفائدته التقريب . و « طيّ » : مصدر مؤكّد لطاوي . الإعراب : الكاشح : فاعل نشر . وما : مفعوله ، واسم كان ضمير يعود إلى الصّبّ المتكلم عنه ، أو إلى الكاشح . وطاوي الكشح : خبر كان منصوب ومضاف إليه ومتعلق بطاوي . وطيّ : مصدر طاوي فهو مفعول مطلق والوقوف عليه بالسكون لغة ، وجملة نشر الكاشح الخ . . . حال على تقدير قد ليوافق ما قبله من الأبيات ونكتة المغايرة الإشارة إلى تحقّق نشر الكاشح الأمر المضمر . واعلم أن اسم كان يحتمل أن يعود إلى الصّبّ ، وعلى ذلك فالمعنى قل أيها السائق تركت الصّبّ وقد نشر الكاشح ما كان قد طوى الصّبّ كشحه عليه وستره من أسرار الغرام طيّا . ويحتمل أن يعود إلى الكاشح ، فالمعنى حينئذ وقد نشر الكاشح قبيل بعدكم ما كان قد طوى كشحه عليه من العداوة والإفساد . وفي البيت الطّباق بين النشر والطيّ ، وجناس شبه الاشتقاق بين الكاشح والكشح ، وجناس الاشتقاق بين طاوي وطيّ . ( ن ) : الكاشح كناية عن شيطان الأغيار القائم في طبيعة النفس الإنسانية ، فهو مضمر العداوة يحمل الإنسان على الامتناع عن المنافع الأخروية ويأمره بالشهوات الدنيوية وقد انكشف أمره فإن إضماره للعداوة كان في حال قربكم مني ، ثم لمّا حصل البعد بإدراك الأغيار نشر ما كان مضمره من العداوة . اه . في هواكم رمضان عمره ينقضي ما بين إحياء وطيّ الإحياء : مصدر أحيا الليل إذا سهره وكأنه مأخوذ من الحياة لأن من نام ليله فكأنه أماته بخلاف من سهره . والطيّ : مصدر طوى كرضي إذا لم يأكل شيئا .